وهبة الزحيلي

230

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فقه الحياة أو الأحكام : قال مجاهد : وهذه الآية ناهية عن الخلط في الإنفاق ، فإن العرب كانت تخلط نفقتها بنفقة أيتامها ، فنهوا عن ذلك ، ثم نسخ بقوله : وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ [ البقرة 2 / 220 ] . وليس المراد بالآية إيتاء اليتامى أموالهم في حال اليتم ، وإلا تعرضت للضياع ، وإنما يجب الدفع إليهم بعد البلوغ وإيناس الرشد ، عملا بالآية التالية : وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ ، فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً ، فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [ النساء 4 / 6 ] . قال الجصاص الرازي الحنفي : أطلق اللّه تعالى في آية : وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ إيجاب دفع المال من غير قرينة الرشد ، ومتى وردت آيتان إحداهما خاصة مضمنة بقرينة فيما تقتضيه من إيجاب الحكم ، والأخرى عامة غير مضمنة بقرينة ، وأمكن استعمالهما على فائدتهما ، لم يجز لنا الاقتصار بهما على فائدة إحداهما ، وإسقاط فائدة الأخرى . ثم ذكر الجصاص رأي أبي حنيفة : وهو وجوب تسليم المال إلى اليتيم إذا بلغ خمسا وعشرين سنة على أي حال كان ، فإذا بلغها ولم يؤنس منه رشد ، وجب دفع المال إليه ، لقوله تعالى : وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ فيستعمله بعد خمس وعشرين سنة على مقتضاه وظاهره ، وفيما قبل ذلك لا يدفعه إلا مع إيناس الرشد ، لاتفاق أهل العلم على أن إيناس الرشد قبل بلوغ هذه السن شرط وجوب دفع المال إليه « 1 » . وقال أبو حنيفة : لما بلغ رشده صار يصلح أن يكون جدّا ، فإذا صار يصلح أن يكون جدا ، فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة اليتم وباسم اليتم ؟ ! وهل ذلك إلا في غاية البعد ؟

--> ( 1 ) أحكام القرآن للجصاص : 2 / 49